اسد حيدر
472
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
وقد نشأ الإمام الباقر في عصر قوة الدولة وامتداد سلطانها وشدة نفوذها ، ومع ذلك فقد قام بما يجب عليه من الدعوة للّه ونشر تعاليم الإسلام وإلقاء دروس الأخلاق والعلوم الدينية ، والحث على التمسك بالدين والابتعاد عن الظلمة الذين اتخذوا مال اللّه دولا ، فازدحم العلماء على أبواب مدرسته وانتشروا في أقطار المملكة الإسلامية يحملون للناس أصدق الحديث ، وأظهروا الحقائق التي حاول الأمويون إخفاءها بأبراد التمويه والخداع . وقد كان يؤلمهم موقف الإمام الباقر ، وتقض مضاجعهم شهرته في الآفاق ولكن ما ذا يصنعون والحجاز يخلص له بالولاء ، والمدينة المنورة ترعى جانبه وتقدر منزلته . ولا يستطيعون أن يحركوا جانب المدينة مرة أخرى وهي المركز الإسلامي ، وإليها تقصد وفودهم في أخذ الأحكام . فكان هو وحيد عصره في إرشاد الناس وتحذيرهم من الزيغ والضلال ، وإليه يرجعون في معضلات المسائل ، فيحل لهم عقالها ويوضح لهم ما أشكل عليهم فهمه من أحكام الدين ، فكان قوله الفصل وحكمه العدل . روى مكحول بن إبراهيم عن قيس بن الربيع قال : سألت أبا إسحاق عن المسح على الخفين فقال : أدركت الناس يمسحون حتى لقيت رجلا من بني هاشم لم أر مثله قط وهو محمد بن علي بن الحسين فسألته عن المسح على الخفين . فنهاني عنه ، وقال : لم يكن أمير المؤمنين يمسح عليهما وكان يقول : سبق الكتاب المسح على الخفين . قال أبو إسحاق : فما مسحت مذ نهاني عنه ، وقال قيس بن الربيع : وما مسحت أنا مذ سمعت أبا إسحاق . وقال زرارة : كنت جالسا إلى جنب أبي جعفر عليه السّلام وهو مستقبل القبلة فقال : أما إن النظر إليها عبادة ، فجاءه رجل من بجيلة فقال لأبي جعفر : إن كعب الأحبار « 1 »
--> ( 1 ) هو كعب بن مانع الحميري أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار المتوفى سنة 134 ه - بحمص وكان يهوديا أسلم في أيام أبي بكر وقيل في أيام عمر ، وكان عنده تنبؤات عن طريق جمع الأحاديث التي وضعها اليهود أو المسيحيون واشتهر كعب بذلك ومثله وهب بن منبه وتميم الداري وكان لهذه الأحاديث أثر في المجتمع إذ أدخلوا أشياء من التكهن بوقوع الحوادث أو مصير العالم وقد استمد منهم معاوية أشياء يستعين بها على تقوية مركزه لذلك نوه باسم كعب : انه كان من أصدق هؤلاء المحدثين . ألا ان كعبا أحد العلماء ، وقد روى عنه أبو هريرة ومعاوية . وأنكر المسلمون على كعب وأصحابه وكذبوهم لرجمهم بالغيب .